ad

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم في منتدى مجلة t-view، لكي تتمكن من المشاركة ومشاهدة جميع أقسام المنتدى وكافة الميزات ، يجب عليك إنشاء حساب جديد بالتسجيل بالضغط هنا أو تسجيل الدخول اضغط هنا إذا كنت عضواً .





أنهار الحروف.. أنهار الطين: تأملات في أعمال راكيل رابينوفيتش

عندما جاءت راكيل رابينوفيتش لتتحدث أمام طلبة كلية واليسللي في بداية ربيع العام 2015، كان الثلج ما يزال ثقيلا على الأرض، ..



10-06-2017 07:03 مساء
Admin
المشرف العام
معلومات الكاتب ▼
تاريخ الإنضمام : 05-06-2017
رقم العضوية : 1
المشاركات : 62
الجنس : ذكر
الدعوات : 4
مشاركات الميديا: 37
قوة السمعة : 10
 offline 

file
عندما جاءت راكيل رابينوفيتش لتتحدث أمام طلبة كلية واليسللي في بداية ربيع العام 2015، كان الثلج ما يزال ثقيلا على الأرض، ولكن الشمس كانت تطل بحياء من نوافذ مكتبة مارغريت كلاب. بدا وجهها كما لو أنه جزء من ذلك المشهد اللوني؛ مشهد يتشكل من الظلمة، تماما كما يتشكل من الضوء.
عندما بدأت محاضرتها، لاحظت بأنها كانت حريصة جدا على انتقاء مفرداتها: كانت دائما، وقبل أن تتحدث، تتوقف قليلا ليشرق وجهها بإشراقة خاصة، كما لو أنها تريد – بحضورها – أن تبتكر تجربة بصرية.
عندما أنظر على عملها، أتذكر صفاءها، وأيضا، فإنني أتسمر لأتأمل إبداعاتها. إنها أعمال غامضة ومليئة بالأسرار. مستحيلة على التعريف، فهي تتطلب جهدا من مشاهد جاد يسعى للمشاركة في تلك الأعمال والعيش في إبداعاتها.
المظاهر اللونية في العديد من إبداعاتها والتي تجيء بالفواتح والغوامق، على حد سواء، تكشف أسرارا كثيرة وإمكانيات كبيرة. تقول راكيل إنها لا تريد أن تشرح عملها. بدلا من ذلك، يتوجب علينا، نحن، أن ندخل إلى تلك الأعمال.
أمضيت الكثير من الوقت في الاستماع إلى كلماتها والتي تعكس بهدوء إبداعاتها الفنية ذات الأوجه المتعددة. في هذا التأمل الوجيز، أدعو القارئ إلى الانضمام إلى ما وجدته، وإلى ذلك الذي ما أزال أبحث عنه. أعمالها طوفان يتغير باستمرار.
فن راكيل رابينوفيتش يتوجب عليه العمل، في البداية، على ما يبدو أنه غير مرئي، ومن ثم، وتدريجيا، يصبح ملحوظا، ولكن ليس بالضرورة مفهوما. إنها مهتمة بما هو غامض وما يستغرق وقتا طويلا ليتم الكشف عنه. المراقب يتوجب عليه الانخراط في فنها، وأن يخلق حوارا وتعاونا معه.
المهم بالنسبة إليها، هو إن الفن الاستثنائي يمثل دعوة للعيش في عالمها مع أولئك الذين يرغبون في رؤية لوحاتها مع صفاء المتلقي الذي يدرك أن ما يبدو أنه كائن، من الممكن أن لا يكون - ما هو ظلام شديد قد يظهر أيضا كضوء...
صوت راكيل الناعم، غالبا ما يتبدى لإيصال الحالة الداخلية العميقة للتأمل. أنها تستخدم لغة مجازية للخطاب اليومي، ويبدو أن بيئتها المحيطة – بدءا من أحراج منزلها وصولا إلى نهر هدسون، موقع العديد من المنشآت المجازية – هي أجزاء أساسية من كينونتها؛ كشخص وكفنانة. كثيرا ما أسألها حول مدى إمكانية تسجيل ملاحظات من كلامها الذي يبدو، بالنسبة إلي، جزءا لا يتجزأ من فنها.
ولدت رابينوفيتش في بوينس آيرس العام 1929، وتلقت تعليمها في جامعات قرطبة وأدنبرة والسوربون في باريس. وبسبب الوضع السياسي غير المستقر في بلدها الأصلي خلال العهد الأول لخوان بيرون، غادرت إلى إدنبرة ثم كوبنهاغن، ثم إلى باريس، لتعود بعدها إلى الأرجنتين، ومن ثم إلى مونتريال ونيويورك.
بدأ عملها باكتساب الشهرة خلال إقامتها في الولايات المتحدة، حيث بدأت بالتجريب على العديد من المواد: الكولاج، رسومات قلم الرصاص، السلاسل اللونية، وما إلى ذلك.
إن راكيل لا تعرف الكلل والملل في مراقبة العالم المحيط بها، العالم الذي أصبح، بكثير من الدقة والحذر الشديد، فنها. في محترفها الصغير ببلدة رهينبك، في نيويورك، أجلس بهدوء إلى جانبها وأحاول أن أتخيل ما يكمن متخفيا وراء الرمادي والأسود أمامنا. كما هو الحال في الشعر، فإن الكلمات غالبا ما تعطي شكلا ما، لتصبح تصورا مدركا بالنسبة لقرائها. عندما يتعلق الأمر بأعمال راكيل، فإنني أشعر بأنني إدخل نصا بصريا مقدسا.
في محادثاتنا العديدة على مر الأعوام، غالبا ما تنظر راكيل إلي وتقول لي إن الشعراء يثيرون اهتمامها حقا، وأنا أرد على كلامها بابتسامة. إنها تعتقد أن الخيال الشعري يسمح لنا أن نرى ما لا يرى، وأن ندرك غير المكشوف لأعيننا. أنا أؤمن أن هذا المنظور هو وسيلة أساسية للنظر في فنها.
فعل القراءة الشعرية يتطلب الشغف والالتزام من القارئ، وهي، أيضا، العلاقة المعرفية والإدراكية، التي تتطلبها راكيل في مجال فنها. في زيارة قمت بها في ربيع العام الحالي (2015) إلى منزلها في رهينبك، أتيحت لي الفرصة لقضاء بعض الوقت معها، لسماع ذكرياتها في بوينس آيرس، والتحدث عن خورخي لويس بورخيس، روبرتو خواروز، وأليخاندرا بيزارنيك، والاستماع إلى قصصها عن حياة التجوال التي ألهمت فنها اليوم.
تعتقد راكيل أن اللغة والفنون البصرية تتشابك، وأنها في حوار دائم. تقول إنها تحصل على الإلهام من قراءة الشعر، وأنا أشعر أن أقرب أعمالها ملامسة للخيال الشعري، هو عملها المسمى "مكتبة النهر".
فتنت راكيل بالأنهار منذ سبعينيات القرن الماضي؛ وتقول إن الأنهار تماثل انسياب الحياة  - حركية الماء. قالت راكيل ذات مرة لي ولطلابي في الكلية، وبطريقة مؤثرة للغاية، إن الأنهار حرة، فهي تأتي وتذهب كما تشاء، فلا الحدود ولا الحكومات قادرة على تقييدها.
ولكن للأنهار قصصا. فمثلا، في واحدة من رحلاتها إلى الهند، جمعت راكيل بعض الطين من نهر الجانج المقدس، والمليء بالطقوس ورماد الأجساد المحروقة. رماد يحكي قصة قديمة، كما تقول. وبالتالي، فإن حروف الأنهار الهجائية تلك تحكي قصة سابقة، حتى، لخلق اللغة.
الطين الذي تجمعه راكيل من جميع أنحاء العالم، لديه القدرة على نسج القصص. غالبا، في التاريخ القديم، فقد تم اعتبار الأنهار مكانا ومقصدا، على حد سواء، مثل "كومبه ميلا" الذي ما يزال مكانا للحج في الهند، وكذلك نهر النيل الذي تشهد طبقاته الطينية العديدة على رحلات ملوك مصر القديمة. هذه الأنهار تحتوي على طبقات وطبقات من الطين.
في الماضي، وعدت راكيل أن أجلب لها طينا من نهر "مابوتشو" في شيلي، من حيث ألقيت جثث الأبرياء في الجسد المقدس للماء. أنا أفهم طريقة راكيل السحرية وبصيرتها في التفكير. إنها تعتقد أن الأنهار تجلب لنا التواريخ والأسرار.
بالنسبة لرابينوفيتش، فإن طبقات الطين، أو النهج الغامض للنهر في الترسيب والتغطية والطلاء، تتحدث عن وحدة خالصة تتجلى من خلال انسياب الماء. إنه انسياب بلا حدود، حرية وحيدة، ما يتيح استعارة استثنائية لقوة التخيّل والتشكّل من خلال الفن وعن طريق نوع لغة أخرى. هذه هي اللغة التي تتجلى من خلال هجائية (حروفيات) الطين، والتي تسرد أيضا، قصص الظلام وقصص الضوء.
مع إبداعات بقايا الطين التي اشتغلت عليها راكيل لسنوات عديدة، يظهر شكل من أشكال الفن الموازي. تسميه "نشوء". بدأت راكيل هذا المشروع بعد أن انتقلت إلى رهينبك وبدأت عملية جمع صخور مختلفة من نهر هدسون - صخور من مختلف الأشكال والألوان. عملت مع سائقي زوارق نهرية وحتى مع علماء بيئة، باحثة عن مواقع النهر لإبداع هذه المنشآت الاستثنائية.
هذه المنشآت يمكن قياسها وفهمها في إطار دورة مدتها ست ساعات من المد والجزر. الحجارة تبدو لو أنها بلا حواف، ترتيب متواضع حول الشواطئ، بالكاد يمكن رؤيتها عند حدوث الجزر. بدلا من ذلك، تركز العين في الارتفاع الرأسي وسقوط المد والجزر.
وهكذا تصبح المنشآت الحجرية جزءا من المشهد الطبيعي، وينظر إليها على أنها اندماج المتغيرات الموجودة في الطبيعة مثل العواصف والرياح والانجراف. راكيل لديها القدرة على جعلها متزامنة كإيقاعات الحياة: المفاجئة والدائمة، والمنحسرة كذلك.
تقول راكيل إن النهر، في نهاية المطاف، سوف يجعل من هذه المنشآت الحجرية غير مرئية، ولكن هذه هي حياتنا وممرات الحياة إلى الموت التي ندور فيها. الطبيعة سوف تأخذ على عاتقها المسؤولية عن مصير الحجارة، كما تفعل الأرض بحيواتنا.
كشاعرة ومراقبة للعالم المادي، فإنني أجد فنها في مشروعها "مكتبة النهر" تماما، كـ"نشوء" استثنائي. من خلال فنها، أتساءل كيف تم ربط إمكانيات الطبيعة مع الخيال البشري. ومن خلال فنها أدرك أنه يجب علينا أن لا نسعى لتولي السيطرة على عمليات الطبيعة تلك، بل أن نكون جزءا منها.
كثيرا ما أجد نفسي أفكر في منشآت راكيل، مكتباتها الطينية، وعملها من الحجارة المتعددة. أنها ما تزال حية في خيالاتنا، كما يمكننا المشي من خلالها؛ يمكننا أن نراها وأن نشعر بها. حتى أننا غالبا ما نستطيع سماع الحجارة، كما لو أنها في حوار دائم مع الماء.
تعمل راكيل على خامات متعددة: طين، حجارة، رسومات خطية، لوحات أحادية اللون، حيث لا مكان إلا للون واحد – غالبا ما يكون الرمادي، كما في مجموعتها "بوابات بلا بوابة"، حيث سلسلة من اللوحات تشتمل على لون وحيد، ولكن في الوقت نفسه، وفي الجزء السفلي من القماش، يوجد نص وحيد لا بد للمشاهد من إيجاده، وفي نهاية المطاف استيعابه كما يروق له. مدى من اللون الرمادي يولّد العديد من الألوان، وفي نهايته يصبح رماديا فاتحا.
من الظلمة إلى الضوء، من المرئي إلى الخفي، تمتلك أعمال راكيل إيقاعات خاصة تتماهى مع حركية النهر، أو مع التحولات التي نختبرها في الانتقال من الظلمة إلى النور. إنها الطبقات التي تضيفها راكيل إلى عملها والتي تعمل على جعل منظورها الديالكتيكي ممكنا، الطبقات المختلفة من الطين التي تستخدمها في اشتغالها على "مكتبة النهر"، فضلا عن التجاور العضوي للحجارة في سلسلتها "نشوء" الكامنة قريبا من وادي هدسون.
عملها هو جزء لا يتجزأ من المشهد الطبيعي للماء وللأرض وللتجربة الإنسانية في حالة عدم اليقين والثبات. يشبه كثيرا حركية الماء في تلك الأنهار.
أؤمن أن راكيل شاعرة العالم المرئي؛ لديها رؤية استثنائية للتعبير بالعناصر الطبيعية من خلال فهم رمزية الطبيعة والمشهدية والمكان الذي نشغله. عملها يتطلب مشاركة المشاهد بانفتاح على وعي متعدد، كما يحتاج إلى طريقة جديدة لتقبل كينونتنا في العالم - حيث تذوب الشظايا مشكلة نفسها مرة أخرى، وتفسح المجال لوحدة أكثر عمقا وسيولة للتشكل: في دواخلنا.. وفي عالمنا الخارجي.

*  مارغوري أغوسين: أستاذة الدراسات الأميركية اللاتينية في كلية ويلليسلي. شاعرة وكاتبة وناشطة في مجال حقوق الإنسان فازت بجائزة في مجال الشعر، كما أن الأمم المتحدة كرمتها بجائزة في القيادة بسبب عملها على قضايا حقوق الإنسان. نشرت هذه المادة في موقعhttp://www.worldliteraturetoday.org/






الكلمات الدلالية
لا يوجد كلمات دلالية ..


 








الساعة الآن 02:16 صباحا